حتى لا تضيع الفرصة

حتى لا تضيع الفرصة

غياب المرأة الأردنية عن سوق العمل عائق أمام التنمية الوطنية

معهد الإعلام الأردني – ضحى أبوسماقة

على أعتاب العام ٢٠١٥، يسعى الأردن إلى استكمال مسيرته التنموية الاقتصادية وتحقيق الرفاه الاجتماعي لدى الأردنيين باستغلال مجموعة من الموارد الشحيحة والتي تعتمد في الأساس على الاستثمار في الإنسان الأردني والعائلة الأردنية والتي ظهرت من خلال وضع استراتيجية وطنية تتمثل بإنشاء المجلس الأعلى للسكان ليتبنى تحقيق سياسة الاستفادة من الفرصة السكانية والمتوقع حدوثها عام ٢٠٣٠، والمحتمل أن يكون حوالي ٦٩٪ من سكان الأردن في أعمار القوى البشرية.

وتعرّف الفرصة السكانية حسب المجلس الأعلى للسكان بأنها مجموعة التغيرات المجتمعية الإيجابية التي تصاحب وتتبع التحولات الديموغرافية، حيث يدخل المجتمع مرحلة يبدأ خلالها نمو الفئة السكانية في سن العمل (١٥ – ٦٤ سنة) بالتفوق بشكل كبير على نمو فئة المعالين (أقل من ١٥ سنة و٦٥ سنة فأكثر).

وبهدف الوصول إلى التنمية الإقتصادية والاجتماعية على المستوى الوطني؛ يجب استغلال الموارد البشرية بشكل فاعل ومتكامل، يركّز على ضرورة مساهمة المرأة بشكل أساسي، كونها تشكل ما نسبته ٤٨,٤٦٪ من المجتمع الأردني ، ومعدل مشاركتها اقتصادياً قد بلغ في الفترة بين ٢٠٠٧-٢٠١٢ ما بين ١٤.١٪ إلى ١٤.٧٪، وشهد تراجعاً ملحوظاً عام ٢٠١٣ إذ بلغ ١٣.٢٪ الأمر الذي يعد مؤشراً على أهمية بذل المزيد من الجهود لزيادة مشاركة المرأة في الحياة الاقتصادية.

من القانون تبدأ المشكلة؟

تتركز الأسباب خلف عدم المساهمة للمرأة في العمل وفق رئيسة اللجنة الوطنية الأردنية لشؤون المرأة المحامية أسمى خضر، إلى عدم الالتزام بتطبيق القوانين التي تنصف حق النساء العاملات وخصوصاً الأمهات منهن، والتي تدفعهن إلى التمسك بالفرص المتاحة لهن.

وتعلّق خضر، على عدم كفاية القوانين في ظل الظروف العامة، بحيث تكفل هذه القوانين حماية المرأة من الفصل التعسفي إذا طالبت بحقوقها.

مديرية عمل المرأة في وزارة العمل، أكدت وعلى لسان مديرتها ليلى الشوبكي، ما ذكرته خضر، وقالت: ”عندما اتجهنا إلى دراسة أهم العقبات والفجوات التي تحد من مساهمة المرأة في العمل، وجدنا أن فجوة الأجور بين الرجال والنساء من أهمها، حيث قامت الوزارة وبالتعاون مع منظمة العمل الدولية واللجنة الوطنية الأردنية لشؤون المرأة، بإنشاء لجنة توجيهية للإنصاف في الأجور في العام ٢٠١١، والتي كلفت بمهمة تحقيق الإنصاف في الأجور والتي تعني أجر متساو عن عمل ذي قيمة متساوية للعمّال والعاملات في الأردن“.

عدد السكان النشيطين اقتصادياً

وعن أسباب إنشاء هذه المديرية في الوزارة، وضحت الشوبكي أنها أنشئت في عام ٢٠٠٦، بهدف الاهتمام بقضايا المرأة الاردنية العاملة والباحثة عن عمل، وتمكين المرأة اقتصادياً وتشجيعها على المشاركة في النشاط الاقتصادي وتوفير بيئة عمل ملائمة من خلال وضع وتعديل التشريعات المعنية بالمرأة بالإضافة إلى توفير الحماية الاجتماعية والقانونية لها.

ونأتي إلى دور منظمة العمل الدولية في الشأن ذاته، حيث قالت ممثلة المنظمة ريم آصلان إن:” تعديل القوانين التي لها علاقة بمساعدة المرأة على دخول سوق العمل هي أولى أولوياتنا في المنظمة، لأن هناك الكثير من القوانين التي تحتاج إلى تعديل في كل من قانون العمل وقانون الخدمة المدنية والضمان الاجتماعي وحتى قوانين النقابات المهنية، وقد قمنا برفع توصية تعديل متعلقة بعشر مواد قانونية لمجلس النواب “.

وورد في ملخص التشريعات الصادر بعنوان ” نحو المساواة في الأجور- مراجعة قانونية للتشريعات الوطنية الأردنية “، أن بعض الاستنتاجات من قانون العمل لعام ١٩٩٦ والقانون المؤقت لعام ٢٠١٠، تشمل عدم وجود أحكام صريحة تمنع التمييز في الاستخدام والوظيفة، وعدم وجود أحكام صريحة تنص على الحق في المساواة في الأجور بين العمّال والعاملات عن العمل ذي قيمة متساوية، كما أن هناك  قيود مفروضة على المرأة من حيث ساعات العمل والقطاعات والمهام، وعدم اتساق فترات إجازة الأمومة مع أقسام أخرى من التشريع، وعدم وجود إشارات تشريعية لتقييم الوظائف بطريقة محايدة للنوع الإجتماعي.

رئيسة وحدة الفئات الأكثر عرضة للإنتهاكات في المركز الوطني لحقوق الإنسان كرستين فضّول، وافقت على أن عدم الإنصاف في الأجور، يشكل عاملاً مثبطاً للمرأة في أن تتحدى سوق العمل، الأمر الذي ” يحدث ضرراً على الدولة “ في حال بقاء نصف المجتمع مغيّب عن العملية الاقتصادية.

انجازات هامة في التعليم تحسب للمرأة

حققت المرأة الأردنية بالأرقام، إنجازات هامة في مجال التعليم حسب دائرة الاحصاءات العامة، فقد بلغ معدل الالتحاق بالتعليم الأساسي الإلزامي للعام الدراسي ٢٠١٣/٢٠١٢ للإناث ١٠٠٪ مقابل ٩٧.٦٪ للذكور، وبلغ معدل الالتحاق في التعليم الثانوي للعام ذاته للإناث ٨٧٪ مقابل ٧٤.٣٪ للذكور، كما بلغت نسبة الخريجات الإناث من الجامعات الأردنيات للعام ذاته أيضاً ٥٤.٤٪، الأمر الذي يشير إلى أن انخفاض مشاركتها في سوق العمل ليس بسبب افتقارها للمهارات، مع أن التحدي الأكبر في هذا المجال هو مواءمة مخرجات التعليم مع متطلبات السوق.

نسب الأردنيات الخريجات حسب الجامعة

تربط أمين عام المجلس الأعلى للسكان الدكتورة سوسن المجالي بين أهمية الفرصة السكانية والتعليم، حيث أنه أحد ركائز التنمية البشرية، فهو  يؤثر على نشر الوعي  فيما يتعلق بمعدلات الإنجاب، كما أن قوة العمل الأفضل تعليماً تكون أكثر قدرة على التكيف مع التكنولوجيا والتقنيات الحديثة والمتطورة، ونتيجة لهذا الاستثمار في التعليم ونوعيته، تصبح القوى العاملة أكثر قدرة على المنافسة والإنتاج.

النسبة الغالبة من الخريجات الجامعيات كانوا في تخصصات علوم التربية وإعداد المعلمين لـ ٨٤.٧٪ والعلوم الإنسانية لـ ٧٣.٨٪، إلا أن تمثيلها في التخصصات الأخرى كان مقبولاً، فقد فاقت نسبة تمثيلها الطبيعي في المجتمع الأردني في كل من الهندسة المعمارية وتخطيط المدن لـ ٦٨.٨٪، الزراعة لـ ٦٢.٩٪، والعلوم الطبية المساندة لـ ٦٤.٥٪، والصيدلة لـ ٦٦.٣٪، وطب الأسنان لـ ٦٢.٦٪، والرياضيات وعلم الحاسوب ٥٢٪.

ويشير مصاروة إلى أنه لو تمت مقارنة ما يتم استثماره على النساء في تعليمهن مع ما يساهمن به في سوق العمل، فإن الدولة لا تستفيد من هذه الطاقة المخزّنة. مؤكداً على الإيجابيات غير المباشرة لتعليمها، كتنشئة الأطفال وتربيتهم. ولكن بقائهن خارج سوق العمل يعني حرمانهن من الدخل ومن المكانة الاجتماعية.

وتوصي خضر بأهمية استغلال نسبة التعليم العالية جداً في الأردن، لرفع نسبة مشاركة هؤلاء النساء من خلال الانخراط في عمليات الانتاج الاقتصادي سواء كان في ”السوق المنظم“ أي القطاعات العامة والخاصة والمنظمات الدولية، أو في ”السوق غير المنظم“ مثل المشاريع الصغيرة والتشغيل الذاتي.

عقبات متعددة والنتيجة واحدة

تعاني النساء العاملات من محددات لمشاركتهن في سوق العمل، كما تشتكي لانا الفاعوري، العاملة في إحدى المولات، والمقيمة في منطقة لواء عين الباشا، من سوء المواصلات العامة التي تستقلها بشكل يومي، حيث أنها تستغرق من ساعة إلى ساعة ونصف يومياً في الذهاب أو العودة من مكان عملها الكائن في شارع المدينة المنورة في العاصمة عمّان، إضافة إلى ساعات العمل التي تقضيها فيه.

وتشاركها المعاناة هيفاء حسين، والتي تضيف إلى صعوبة توفيرها حضانة لابنها، فعدا عن انتهاء ساعات العمل في الحضانة قبل موعد عملها، فإنها تتكبد تكاليف الحضانة الباهظة مقارنة مع تتقاضاه جراء عملها، الأمر الذي جعلها تفكر مراراً في تركه لأنه لا يعود عليها بالجدوى الاقتصادية المتوقعة.

وعن المادة ٧٢ في قانون العمل والتي تنص ” على صاحب العمل الذي يستخدم ما لا يقل عن عشرين عاملة متزوجة تهيئة مكان مناسب للاطفال ليكونوا في عهدة مربية مؤهلة لرعاية اطفال العاملات الذين تقل أعمارهم عن أربع سنوات، على أن لا يقل عددهم عن عشرة أطفال “، تؤكد الشوبكي على أهمية هذه المادة، مبيّنةً بأن مديرية عمل المرأة تقوم بعمل جولات على بعض منشآت العمل التي يكون قد وصلهم بلاغ منها بعدم تطبيق القانون فيها، وأن هناك توجهاً صارماً في تطبيق هذه المادة القانونية، وخاصة في أماكن العمل المأهولة بالعاملات الأمهات.

العوائق التي تمنع المرأة من الدخول أو الاستمرار في سوق العمل عديدة بحسب د. المجالي، التي تقول إن أهمها هو رعاية الاطفال، فإذا لم يكن لدى المرأة العاملة من يساعدها في رعاية أبنائها فإنها بطبيعة الحال ستتوجه للحضانات التي يترتب أن تكون قريبة من مكان عملها تفادياً للمواصلات، هذا بغض النظر عن عدم مناسبة متطلبات الحضانة مع راتبها. بالإضافة إلى عائق المواصلات العامة التي تقيد حركة المرأة، وذلك في ظل ارتفاع تكلفتها وصعوبتها خاصة في المناطق النائية.

وأظهر مسح مشاركة المرأة في قطاع العمل غير المنظم والذي نفذته دائرة الاحصاءات العامة بالتعاون مع اللجنة الوطنية الأردنية لشؤون المرأة عام ٢٠٠٨، إلى أن ٦٣.٩٪ من النساء المتزوجات يفضلن العمل من المنزل لصعوبة المواصلات ومشاكلها.

وتضيف د. المجالي: ” هناك بعض المؤسسات التي تتطلب أكثر من ثماني ساعات عمل، وهو الأمر المخالف للنصاب القانوني، الأمر الذي يحرم المرأة، من القيام بواجباتها المنزلية “.

التقاليد الاجتماعية عقبة إضافية

ولا يشكل سوق العمل والقوانين الناظمة له، العقبة الأساسية أمام المرأة في المساهمة في النشاط الاقتصادي، فالعادات والتقاليد الاجتماعية التي لا تستحسن عمل المرأة خارج المنزل، تلعب دوراً لا يمكن إغفاله، فقد أبرزت دراسة مشاركة المرأة في القطاع غير المنظم الذي أجرته دائرة الاحصاءات العامة عام ٢٠١١، أن العادات الاجتماعية والتقاليد العائلية كانت سبباً في عدم الموافقة على عمل المرأة، فقد أجاب ما نسبته ٥٦.٤٪ من الرجال، وما نسبته ٣١.١٪ من النساء أن عمل المرأة لا يتوافق مع عادات المجتمع وتقاليد الأسرة.

ويرى أستاذ علم اجتماع التنمية المشارك الدكتور حسين محادين، من منظور قيم العمل، أن عملية الاختلال التنموي التي تعيشها بعض المجتمعات ومنها المجتمع الأردني، تتجلى في تدني نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل، وإن استمرار اعتمادها على غيرها في موضوعات أساسية، إنما يعمل على جعلها متلقية في ما تُمنح من أعطيات أو مصاريف شخصية.

وأضاف د. محادين: ”أن هذا الواقع لا يمنحها فرصة الاحتكاك مع معتركات الحياة وإدارة شؤون ميزانية الأسرة، وبالتالي تكون درجة إحساس المرأة المتعطلة عن العمل في الكيفية التي يُحصل عليها المال والرواتب، أقل منزلة ودقة، من مثيلتها العاملة، وبالتالي يتوقع أن تكون إدارة العاملة رشيدة ومنظمة للموارد المالية “.

ويعتبر د. محادين أن العمل نفسه يتعدى حدود الأجر والخبرات المكتسبة، ليشكل هوية المرأة ويعبر عن إحساسها الداخلي كإنسانة منتجة وأنها شريكة في تحمّل المسؤوليات. كما ويقول: ”عمل المرأة في هذه الأيام هو عنصر مسارع في زواجها في ظل ارتفاع تكاليف الحياة، وسعي الشباب للارتباط بزوجات منتجات وعاملات كي يتشاركا في بناء الأسرة “.

لا تخالف فضّول ما ذكره د. محادين، حيث قالت: ”يساهم عمل المرأة بشكل أساسي في تطوير الذات وزيادة العلم والمعرفة والإندماج في المجتمع، وتساعد هذه العوامل في تطوير شخصية المرأة بغض النظر عن تحسين الوضع الاقتصادي لها ولعائلتها “.

الفجوة بين الأجور 

لا تشكل ظاهرة التمييز في الأجر انتهاكاً لحقوق العاملات فقط، فلها عواقب عواقب تؤثر على الوضع الاقتصادي للمرأة الأردنية بشكل عام. كما أشار المجلس الإقتصادي والإجتماعي:” قد لا يثني تفاوت الأجور وحده النساء عن البحث عن العمل، ولكن حين يصاحبه عوامل أخرى مثل أجر القبول والضغوط الإجتماعية، فقد يسهم مع هذه العوامل في جعل العمل غير مرغوب به بالنسبة للنساء “.

ويُرجع د. مصاروة سبب وجود فجوة الأجور إلى مكوث الرجال الذين يحصلون على علاوات سنوية ويكتسبون خبرة أكبر في أعمالهم لمدة أطول من النساء.

الأمر الذي تنفيه د. المجالي حيث تؤكد أن الفجوة في الأجور موجودة من بداية التوظيف وليس بسبب تفاوت الخبرات، كما تضيف أنه:”إذا كنا نرغب حقاً في عودة المرأة لسوق العمل بعد الانقطاع، يجب أن يكون هناك برامج تأهيل لمساعدتها في اكتساب حقوقها، فالأجر يجب أن يتم النظر له مقابل العمل وليس الجنس “.

في الوقت الذي أشارت فيه دراسة المرأة والرجل الصادرة عن البنك الدولي عام ٢٠١٣، والمستندة إلى مسوح الاستخدام أن متوسط الأجر الشهري بلغ للرجل ٤٠٣ ديناراً في حين بلغ للمرأة ٣٥٩ ديناراً، وهذا يدل على أن النساء يحصلن على أجر أقل من الرجال بمقدار ٤٤ ديناراً، والذي يمثل قيمة ١٢.٣٪ من متوسط الأجر الشهري؛ أي أن المرأة الأردنية تحصل على ما يعادل ٨٩٪ من متوسط ما يحصل عليه الرجل، الأمر الذي يبدو جلياً في القطاع الخاص بنسبة ١٧٪ عن القطاع العام بنسبة ١١٪.

أنماط العمل غير التقليدية.. سياسة بديلة

هو باب فتحته المرأة الراغبة في أن تكون فاعلة في مجتمعها لنفسها، لتدخل من خلاله إلى أنماط عمل مرن، يحتمل التواجد في المنزل بجانب أسرتها، ويؤمن لها ولهم دخلاً إضافياً من مشاريع صغيرة ابتدأت كهواية وأصبحت مهنة.

وتبدي خضر تأييدها لأن تكون المرأة منتجة، مشيرةً إلى أن النساء قديماً كانوا منتجات، سواء في الفلاحة أو الخياطة. ولكن العمل من المنزل ”يحرم المرأة من عدد من المزايا، منها مزايا التسويق والمنافسة، كما أن فرص نمو المشروع تبقى محدودة، بالإضافة إلى أنها لن تتمتع بخدمات التأمين الصحي والضمان الاجتماعي التي توفرها الشركات التي تستوعب طاقة إنتاجية أكبر “، مبينةً أن الضمان الاجتماعي أصبح يمنح الأفراد التمتع بخاصية الاشتراك الفردي ولكنه مكلف مادياً نظراً لأن المشترك سيقوم بدفع القيمة كاملة من حسابه الشخصي.

وتبيّن الشوبكي، أن الوزارة تلقى اهتماماً واسعاً على المشاريع الصغيرة والنساء العاملات في المنزل. والتي تقول: ”عندما قمنا في وزارة العمل بدراسة سوق العمل، وجدنا أن هناك توجهاً كبيراً لدى النساء للعمل من المنزل، فأنشأنا مشروع التشغيل الذاتي للمناطق النائية في الأردن وقمنا بتشجيعهن على استغلال مصادر البيئة واستثمار طاقاتهن بعد حصولهن على تدريب مشرفين من نفس المنطقة، بالإضافة إلى توفير دعم مواصلات، وكانت النتيجة أنهن بدأن يعتمدن على ذاتهن ويوفرن دخلاً اقتصادياً جديداً لعوائلهن، مما أدى لزيادة استقلالية النساء في هذه المناطق “.

وتوصي مساعد الأمين العام لشؤون الاعلام والاتصال في المجلس الأعلى للسكان هناء الصعوب، باتباع سياسة المشاريع الصغيرة ونظام ساعات العمل المرن، معللّةً ذلك بما يتمتع به هذا البديل من مرونة عالية من حيث وقت العمل أو مكان العمل من المنزل، كما أنه يعالج مشكلة البطالة بين النساء ويحفز شريحة النساء غير النشيطات اقتصادياً لدخول سوق العمل.

وتعتبر أصلان نفسها من إحدى النساء المحظوظات التي بدأن مسيرة عملهن لمدة عشرة سنوات، في مكان عمل وفر لها إمكانية العمل الجزئي أو العمل من المنزل، الأمر الذي كان مريحاً وعملياً بالنسبة لها بحسب قولها.

ويشير د. مصاروة إلى أن الاقتصاد غير الرسمي أو غير المنظم ”المشاريع الصغيرة “، يسهم في تشغيل عجلة الاقتصاد ومساهمة المرأة فيه، حيث أنها لا تحتاج إلى رأس مال عال، ولا تتطلب خروج المرأة من المنزل مما يؤدي لضياع ساعات إضافية في المواصلات، ويمكّن المرأة من أن تجمع بين واجباتها الأسرية وتجاه عملها.

لا بد من التوعية الإعلامية والتعليمية

وتشدد د. المجالي على أن الإعلام يجب أن يكون لاعباً رئيسياً في توعية المجتمع تجاه هذه القضية، مؤكدةً على أن ضرور أن يوصل الإعلاميون الرسالة بشكل سلس، وعلى حق المرأة في أن تعمل وتتصرف بأموالها، وأننا بحاجة لدورها الفعّال في النشاط الاقتصادي، خصوصاً وأنه لا ينقصها شيء في ظل مستويات التعليم التي وصلت لها المرأة الأردنية. وأضافت: ”يجب أن يكون هناك رسالة لأرباب العمل بأن ينصفوا النساء، وبالنسبة لصانعي القرار يجب أن يتم التأكد من بلورة سياسات صديقة تحقق عمل المرأة “.

الأمر الذي توافق عليه آصلان موضحة أن أحد أهم أهداف منظمة العمل الدولية هو توعية المرأة العاملة تجاه قوانينها وحقوقها، خاصة وأنه من خلال عملهم مع شريحة من النساء تبيّن أن معظمهن لسن على دراية في مواد القانون التي تقف في صالحهن، مشيرةً إلى أن الأردن قام بتوقيع اتفاقية منظمة العمل الدولية الخاصة بالمساواة في الأجور سنة ١٩٥١(رقم ١٠٠).

وذكرت آصلان أنهم قاموا بإعداد فيديو توضيحي لمعنى الإنصاف في الأجور “Pay Equity”، عند بداية عملهم على مشروع المساواة في الأجور، مما بسّط الفكرة بصورة مرئية سهّلت على النساء فهم تأثير المساواة على حياتهن.

ويقترح د.مصاروة أسلوباً آخراً من أساليب التوعية، إذ يقول:”يجب اتباع سياسة تعليمية تتعلق بإدراج منهاج مرن يناقش المواضيع المستجدة على الساحة، والتي تتعلق بتوعية الأجيال بأهمية استغلال الفرصة السكانية وتخفيض معدلات الإنجاب، وتفعيل المشاركة الاقتصادية للمرأة“.

النساء النشيطات اقتصادياً حسب الفئة العمرية

Advertisements

في رحيل وسام حداد


Wesam copy

ضحى أبوسماقة

في الحديث عن مقتل وسام، لا علاقة لذلك بأن تكون على صلة معه، ومعرفة وصداقة عميقة لشخصه، لأن قضية مقتل المغدور هي قضية وطن، هي قضية أمن دولة، هي قضية شباب باتوا في دوامة قلق، هل يودع أهله قبل الذهاب إلى أشغاله وكأنه مغادر لساحة حرب؟ هي قضية ضياع هيبة سلاح، هي قضية أخلاق غائبة عن مجتمع تنبع أكبر قضاياه من مشاكل أخلاقية، هي عدم حق الحق والعدالة، هي غياب تطبيق القانون، فالقاتل يجب أن يحاسب، لا أن يجازى بفنجان قهوة في عطوة شيوخ العشيرة، فيسامح وكأن شيء لم يكن. 

للذي لا يعرفها، قصة المهندس الشاب وسام حداد (٢٧ عاماً)، هي أنه في صباح الأربعاء، الموافق ١٨ حزيران ٢٠١٤، وفي طريقه لناعور باكراً حيث يقع مقر عمله في شركة هندسية، قادماً من السلط حيث يسكن، عثروا على سيارته المركونة قبل موقع عمله بما يقارب ١٠٠ متر، جالساً خلف مقود سيارته، ومصاب بعيار ناري. 

لا اعتراض على حكم الله، ولا يقصد بالقول أن يقتل من قتله، بعملية ثأر عشائرية أو ما شابه. جزاء القاتل يجب أن يعالج بالقانون، فهو الذي سيلعب الدور في ردع النفوس الخسيئة التي تفكر في استرداد حقها أو تراودها نفسها في زهق أرواح آدمية، ليس سوى من منحها له  – وهو الله – الحق في سلبها. 

وسام، قبل نصف عام، في تاريخ ١١ ديسمبر ٢٠١٣، نشر على صفحته على الفيسبوك، والذي تداول أصدقاء مشتركة بيننا نسخة عما نشره، كان يتسائل في استنكاره لمقتل الفتاة نور العوضات، عندما ربط المجتمع قضية قتلها بالتوقيت الشتوي، فنشر قائلاً:  “اذا لا سمح الله صارت جريمة بعد الساعة ٥ مساء بيكون الحق على الحكومة؟ وشو مفروض من الحكومة تعمل وقتها؟ ترجع تغيّر التوقيت؟…. المشكلة مش بتوقيت أو بساعة.. المشكلة بثقافة واخلاقيات مجتمع.. المشكلة بهيبة الدولة.. المشكلة بقوانين دولة.. المشكلة هي عدم حل المشكلة الاساسية بشكل جذري والاهتمام بما حول المشكلة!!!”، انتهى الاقتباس. 

ما نشره وسام على صفحته على الفيسبوك

ما نشره وسام على صفحته على الفيسبوك

لقد صدق وسام! حتماً لم يكن يعلم أن مصيره سيكون مثل نور ولكن في عز وضح النهار، وأن قوانين الدولة التي لم تردع قاتل نور حينها – والذي تغيّبت قضيتها عن الأصداء الاعلامية بعد مدة لم تتجاوز الشهر- لم تردع أيضاً قاتل وسام! 

تعازيّ الحارة انقلها لأصدقائك الذين يتمنون لو أن حادثة قتلك، مقلب من مقالبك الساخرة والتي عودتها عليهم، للذين تحدثت معهم ولم تحمل أصواتهم أية تعابير تصديق لما سمعته آذانهم عن وفاتك.

 تعازي لأهلك وأقاربك ولكل من يعني لهم وجود وسام في حياتهم. 

تعازي لوطني الذي بات يخسر شبابه في قضايا جرمية، دون إتخاذ اجراءات جدية وجذرية لحلها. 

لا تجمعني بك أية معرفة، لا من قريب ولا من بعيد.. إلا أن صدمتي بوفاتك وكأنك كنت تحدثني البارحة.

إنا لله وإنا إليه راجعون يا وسام. 

 

الصفوف المجمّعة بين الحلول والصعوبات

طلبة مرحلة أساسية في مدرسة حكومية مجمعة
طلبة مرحلة أساسية في مدرسة حكومية مجمعة 
لمشاهدة صور عن الصفوف المجمعة يرجى الضغط على الصورة

الصفوف المجمعة تمثل نحو 8 بالمائة من مدارس المملكة

عمان ـ ضحى أبو سماقة

يقرع الجرس معلناً بدء الحصة الصفية في مدرسة الغْبيّة الأساسية جنوب عمّان، تبدأ معلمة العلوم سناء السلاق الحصة الصفية بتقسيم اللوح قسمين، واحد للصف الثالث وآخر للصف الرابع، تقف في منتصف الغرفة الصفية وتقول: “يلا يا رابع، حضروا الدرس، حتى أخلص من شرح درس صف ثالث”.

يبدأ طلاب الصف الرابع بتقليب أوراق الكتاب بحثاً عن الدرس، منهم من يقرأه، والآخر يسرح مع معلمته في درس قد مر عليه سابقاً، تمر عشر دقائق فتطلب من الصف الثالث حل مسألة رياضية، لتبدأ شرح درس للصف الرابع.

حال يتكرر في 284 مدرسة حكومية من إجمالي 3545 حسب إحصائية عام 2013، صفوف من مستويات مختلفة في غرفة صفية واحدة، وتتركز تلك المدارس التي تشمل صفوفاً مجمعة، وفقاً لإحصائيات وزارة التربية والتعليم  في مناطق البادية الأردنية، إذ بلغ عددها 51 مدرسة في البادية الوسطى، و46 في البادية الشمالية، و12 في البادية الجنوبية.

في المدرسة ذاتها بصفوفها الضيقة ذات العدد المحصور ومقاعدها المكسرة وغياب المختبرات التعليمية وأجهزة الحاسوب، يعبّر الطالب أيهم القيسي (9 سنوات) باستغراب وذهول، عن رأيه في تواجده في صف يدرّس طلاباً أصغر منه سناً، ويقول: “مش عارف ليش حطونا مع بعض، بتخربط كثير لما تشرح المعلمة للصف الثالث”.

تبرر وزارة التربية والتعليم على لسان مدير إدارة التخطيط والبحث التربوي الدكتور محمد أبوغزلة سبب اللجوء إلى المدارس المجمعة، بقوله: “إنه خيارٌ تلجأ إليه الوزارة لقلة أعداد الطلاب، ولأنهم يسكنون في مناطق نائية بعيدة عن المدراس الكبيرة”.

وينتقد المشرف التربوي أحمد الرقب الاعتماد على الصفوف المجمعة في التدريس، قائلا: “الطالب لا يأخذ حقه في الحصة الكاملة، يأخذ نصف حصة أو أقل، فالحصة المدرسية عبارة عن 45 دقيقة، وتقسم على صفين أو ثلاثة صفوف مجمعة حسب المدرسة”، فيما يرى أن إدارة الصفوف المجمعة تتطلب مهارة عالية من المعلم لكي يتم إعطاء الطلاب حقهم التعليمي.

وذكّر الناشط في حقوق الإنسان الدكتور علي الدباس  بالحقوق الأساسية للطفل، لافتاً إلى حقه في التعليم بوصفه جزءاَ من الحقوق الأساسية، التي نصت عليها اتفاقية حقوق الطفل.

وبيّن الدباس أن المادة 13 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، نصت على حق الجميع في التعليم خصوصاً في المرحلة الابتدائية وكونه إلزامياً ومجانياً.

 وقال الدباس: “ذلك يعني أن الدولة ملزمة بتوفير التعليم وفق إمكانياتها، وعليها أن تطور منها حتى تصل في تطبيق هذه الحقوق إلى أقصى مدى ممكن”.

 طلاب لا يعرفون صفوفهم

نسي علي العجارمة (8 سنوات) في أي صف يدرس، ولكن ظروف المدرسة حكمت أن يكون في صف مجمع، فقال: “أنا بالصف الرابع”، وبعد ضحك زملائه، استدرك بخجل أنه في الصف الثالث.

فيما دعاء مصطفى (8 سنوات) عبّرت: “المعلمة بتتعب وبنسمع اللي بتحكيه وما بحب أسمع شرح صف رابع لأنهم أكبر مني، حابة نكون مدرسة حلوة وكبيرة”.

ولمس أولياء الأمور تفاوتاً في المستوى التعليمي بين أبنائهم في الصفوف المجمعة وأولئك الذين يدرسون في صفوف اعتيادية، كما تقول أم عبدالله عن أبنائها في مدرسة قرب منطقة أم البساتين.

وشرحت الصعوبات التي تواجهها في تدريسهم، قائلةَ: “أشعر أن ابني الذي يدرس في صف سادس مجمع مع صف خامس ينشغل عن الدراسة، وأن وجوده في صف من عمره سيكون أفضل له وللمعلمة، فالصف المجمع ليس بالأمر الجيد لهم”.

وتتابع أم عبدالله حديثها بنبرة من الامتعاض: “لدي ابنتين انخفض مستواهما التعليمي عند وجودهما في صفوف مجمعة”، متسائلةً: “كيف يستفيد الطلاب في هكذا ضغط يُفرض على المعلمة ضمن وقت ضيق؟”.

لمشاهدة الإنفوجرافيك بطريقة تفاعلية اضغط على الصورة
لمشاهدة الإنفوجرافيك بطريقة تفاعلية اضغط على الصورة

“معلمون: “الطالب لا يأخذ حقه

وتتفق المعلمة نور شبانات مع ما ذهبت إليه أم عبدالله، وقالت: “الصفوف المجمعة تحتاج إلى معلم صاحب مهارة عالية، ولهذا فضلت عدم تدريسها لأنني لا أملك المقدرة العالية على إدارة صفين في آن واحد، ومن واجبي عدم إضاعة أية ثانية على الصف”.

وأضافت: “فضلت تدريس الصف الأول، على الرغم من أن تخصصي لغة عربية، على تدريس الصفوف المدمجة”.

وتجد المعلمة سناء السلاق، التي تدرس العلوم والرياضيات، أن أبرز الصعوبات التي تواجهها تكمن في تعليم الطلاب الذين يعانون من ضعف في التحصيل، وأضافت: “بعد 14 عاماً من تدريس الصفوف المجمعة تعودت على نمط تدريسه على الرغم من اختلاف قدرات الطلاب التي أتعامل معها، حيث أجد أنه من الظلم وجود الطلاب في صف مجمع والطالب لا يأخذ حقه”.

وبالنسبة للأسلوب والاستراتيجية التي يتبعها المعلم تقول معلمة اللغة الانجليزية رولا الفايز: “أعتمد أسلوب إشغال صف وإعطاء المعلومات للصف الآخر، ونحاول بأقصى جهد إكمال المنهاج مع انتهاء العام الدراسي”.

ويتشابه هذا الأسلوب مع معلمة اللغة العربية والتربية الإسلامية عروبة الخطبا، التي شَكَتْ: “وجود صفين في غرفة واحدة هي مشكلة، إضافة الى الطلاب ضعيفي التحصيل والذين يعتبرون صفاً ثالثاً بالنسبة لي”.

وفيما يتعلق بالأنشطة اللامنهجية والتي تهدف إلى تعزيز قدرات الطلاب، قالت الخطبا: “مشكلة الوقت تحرمنا من إعطاء الأنشطة اللامنهجية، لذا أحاول إهمالها، لأركز على القراءة والإملاء خاصة للصف الثالث، فوجودهم في صف مجمع اعتبره ظلماً لهم، فلديهم بطء في الاستيعاب، وهم في مرحلة تأسيسية”.

لم تختلف المديرة ميثاء القعدان مع ما ذكرته معلمات المدرسة ذاتها، لكنها ذكرت أن النظام له جوانب أخرى، قائلة: “برأيي هناك إيجابيات، خاصة في الصفوف الأساسية، فعندما يكون على سبيل المثال الصف الرابع ضعيفاً يستفيد من حصص الصف  الثالث، والأذكياء من الصف الثالث يستوعبون معلومات الصف الرابع، وهذا يزيد من قدرتهم على الاستيعاب والاطلاع”.

أما بالنسبة للسلبيات فتقول: “الطلاب ضعيفو التحصيل العلمي لا يكون هناك أي مجال للتركيز عليهم”، وتضيف: “طالبنا وزارة التربية بغرف جديدة ووعدونا على الموازنة الجديدة في حال توفر الإمكانيات”.

وبينت القعدان، أن المعلمات في مدرستها، اعتدن هذا النظام التعليمي وتكيفن معه، مسترسلة: “المعلمات تعودن على توزيع الوقت، كما أن التربية توفر دورات لكيفية تدريس الصف المجمع، وأن نجاح الصف المجمع يعتمد على وجود معلم متمرس وقادر على تجاوز العقبات اللوجستية وتحتاج بالدرجة الأولى إلى انتماء”.

صفوف عديمة الفائدة

رأى أستاذ علم الاجتماع التربوي في جامعة البلقاء التطبيقية  د.حسين الخزاعي أن تأثير هذا التنظيم نفسي واجتماعي وتعليمي وتربوي، معلقاَ: “هذه الصفوف عديمة الفائدة، لأن فيها تشتيتاً لانتباه الطالب فكرياً وعلمياً وبصرياً، وجهداً ضائعاً على المعلم والطالب، وتضع الطالب في نفسية وأجواء من عدم الراحة والتوتر والقلق وحتى الخجل”.

ويقترح الخزاعي حلولاً بديلة عن هذا النظام من إمكانية اللجوء إلى الدوائر الحكومية وتبديل البرامج (نظام الفترات) والتي تضمن عدم التشتيت لا سيما في المراحل التأسيسية وفقاً للخزاعي.

وتفاجأ مدير برنامج التعليم للجميع في جمعية إنقاذ الطفل (Save The Children) ساطع القضاة، باستمرار اتباع هذا النظام التعليمي، وقال إن وظيفتهم في الجمعية هي خدمة الطلاب (6 – 12سنة)، من ناحية إيجاد البيئة الآمنة لهم تعليمياً بأقرب وأسهل الطرق، ولكن لا يكفي تأمين المدرسة، إنما هناك ضرورة في توفير بيئة صفية سليمة، ووجود هذه الصفوف يتنافى مع هذا المبدأ.

هذا وتُتبع عند البعض أسس ومعايير في تقييم معلم الصفوف المجمعة كما يفعل المشرف التربوي أحمد الرقب، فعند إشرافه على الحصة، يركز على كيفية تعامل المعلم مع طلاب الصف المجمع، ويتوجب على المعلم أن يكون عادلاً في توزيعه وطريقة شرحه بأسلوب يختلف عن المعلم في الصف الاعتيادي.

مضيفاَ: “أركز أيضاً على كيفية تجنب المعلم للنقاشات الإضافية ليؤدي المنهاج المطلوب، والذي يحرمه من التوسع في أحد المواضيع وإدارة الموقف الصفي بشكل متكامل، ويحاول قدر الإمكان أن يحقق حداً أدنى للأهداف المرجوة للحصة المدرسية”.

“ألا تستطيع الدولة إيجاد الحلول؟”

ويتساءل الناشط في حقوق الإنسان د.علي الدباس: “هل الحكومة الأردنية غير قادرة على توفير التعليم للطلاب كافة في صفوف حقيقية وليست صفوفاً مجمعة؟”.

ويعتقد الدباس أنه “بعدما وصل إليه الأردن من تقدم، سواء في الحياة الاقتصادية والسياسية، يجب أن يكون هناك صف مستقل لكل مرحلة، وأن الدولة التي استطاعت أن تستوعب إخواننا اللاجئين على مدار سنتين، قادرة على توفير صفوف إضافية بدلاً من الصفوف المجمعة”.

وعند التطرق للسياسات البديلة والحلول التي تعمل عليها وزارة التربية والتعليم، وضح مدير إدارة التخطيط  والبحث التربوي في وزارة التربية والتعليم د. محمد أبو غزلة أن “الوزارة تسعى إلى إعادة إحياء فكرة قديمة، وهي المدارس الشاملة أو المركزية، والتي تقوم على أساس تجميع الطلبة من القرى التي يكون عدد الطلاب فيها من 10 – 15 طالباً، وتبنى في قرية متوسطة لعدد من القرى وتحتوي على كافة التجهيزات التعليمية، وأن إحياء هذه الفكرة يتزامن مع توعية إعلامية شاملة للأهالي للترويج لها وإقناعهم بها، وتفادي التراجع في نوعية التعليم”.

وتطرق أبو غزلة إلى البيئة الاجتماعية السائدة في المناطق النائية والتي تهيئ الطلاب لرفض فكرة الاندماج مع المناطق الأخرى، على الرغم من عدم وجود المرافق والتجهيزات والبيئة التدريسية السليمة فيها، وقال: “الطلاب من أبناء عائلة وعشيرة واحدة، لذلك نلاحظ انعدام التعلم من الأقران ولا يوجد أجواء تعلم تنافسي”. وأوضح أبو غزلة أن هذه الأسباب أدت إلى زيادة نسبة المدارس التي لم ينجح فيها طلاب في الثانوية العامة، كون الطلبة لا يختلطون بأقرانٍ من بيئات تعلم مختلفة.

Basic CMYK

أطفال المخيمات السورية: طفولة لا تعرف اللجوء

أطفال في مخيم الزعتري يلعبون كرة القدم بالرغم من عدم وجود الإمكانات

أطفال في مخيم الزعتري يلعبون كرة القدم بالرغم من عدم وجود الإمكانات

معهد الإعلام الأردني – مخيم الزعتري ومخيم مريجيب الفهود – ضحى أبوسماقة

قبل عام ونصف العام، خرج من وسط الظلام طفل لاجئ سوري يبلغ من العمر 13 عاماً ويُدعى عمر مع إخوته وعمه، وقاموا بعبور الحدود السورية مع الأردن، بعد أن قتل والداه على مرأى عينيه في الحرب السورية. ليتحول هؤلاء المنهكون الخائفون إلى سكان في مخيم الزعتري للاجئين، الذي يقع في محافظة المفرق في الأردن.

عُمر الذي كان ينتهز أي سيارة تعبر من أمام مدخل المخيم، على أمل أن يطلب منه أي خدمة يقوم بها، والذي بات يعمل بتهريب البضائع من المخيم إلى خارجه أو بالعكس. يقول عمر ونظراته تتراوح يميناً وشمالاً مراقباً لعل فرصة عمل تطلبه “ما بروح عالمدرسة، مع إنه يزن بيك بيمسكني كل مرة بيشوفني فيها، بس برجع بطلع وبشتغل بالتهريب، بدي عيّش إخواني الصغار، ما إلنا حدا هون غير عمي، وأصلاً بشتغل معه”.

في مخيم الزعتري نحو ثلثي الأطفال السوريين في سن الدراسة غير منتظمين بالدراسة، في حين إنه لم يسجل سوى 12000 طفل من أصل 30000 في سن المدرسة بمخيم الزعتري للاجئين السوريين، بحسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف“.

ويعمل أكثر من 270 معلماً أردنياً في مدارس المخيم الابتدائية والثانوية، برفقة 90 مساعداً سورياً. وقد طُورت 33 مساحة صديقة للأطفال. هناك ما يقرب من 1,000 مشروع في شوارع الزعتري، ويُولد عشرة أطفال في المخيم كل يوم. كما حصل عشرات الآلاف من الأطفال في المخيم على التطعيم ضد الحصبة، بالإضافة لحملات التطعيم الدورية التي تجري في المستشفيات الميدانية داخل المخيم.

يحاول بعض الأطفال السوريون الذين تركوا كل شيء وراءهم مع أهاليهم، أن يعيشوا حياة طبيعية قدر الإمكان هنا. ففي الشارع الرئيسي بمخيم الزعتري، الذي يُطلق عليه اسم الشانزيليزيه، تجد من يعمل بأبسط المهن كبيع الذرة المسلوقة والتي يحملها بعربة يجرها، تحمل غازاً صغيراً وقدر كبيرة بداخلها حبات الذرة المسلوقة والتي يتراوح سعرها بين 100 ليرة سوري أو ما يعادلها 40 قرش أردني، كما يقول خالد (12 عاماً) الذي يعمل بهذه المهنة البسيطة.

ومنهم من قام بإنشاء مهنة يعمل بها هو وإخوته، والتي تتعلق بطفولته التي غيبها اللجوء، مثل الشاب محمد (18 عاماً) وأخوه رؤوف (14 عاماً)، والذين قاما بافتتاح متجرٍ لألعاب الكمبيوتر، والذي يقول “أول ما بدأنا بالعمل في المتجر كانت الحركة ضعيفة بعض الشيء ولكن اليوم، ومع الأعداد الكبيرة من اللاجئين داخله، أصبحت هناك حركة، فلا يقتصر اللعب بالكمبيوتر عند الأطفال، بل جائت فئات عمرية مختلفة لتلعب بألعاب الحرب والتفجير وسيارات الشرطة والسباق”.

بشار الحايك (15 عاماً)، يجمع أبناء جيله، ويقومون بتسهيد وتمهيد المساحة الترابية الواسعة الواقعة خلف الحي السكني الذي يقطن فيه، بالقرب من كرفاناتهم، ليستطيعون برغم الإمكانات الضئيلة أن يقوموا بلعب كرة القدم، فصافرة يطلقها بشار من فمه، تستطيع أن تجمع أطفال الحي، ليصطفون أمامه فيرمي الكرة ليبدأون بالركض خلفها. ويعلق بشار “مع إنه بنتشركل وبنوقع عالأرض بس ما عنا بديل نعمله، أو مكان نلعب فيه كرة قدم”، “كانت المدرسة سابقاً تتيح لنا القدوم واللعب في ملعبها المجهز ولكن مؤخراً ما عادت تسمح بذلك”.

لا تختلف حالة اللعب كثيراً في المخيم الثاني للاجئين السوريين والتي تقوم على رعايته دولة الإمارات العربية المتحدة، عن حالة أقرانهم في مخيم الزعتري، إلا في عملية التنظيم والرقابة الشديدة لأماكن اللعب وتوفير المساحات المؤهلة للعب، ووضع المشرفين من أهالي المخيم على حراسة المناطق المخصصة للعائلات والمراكز الترفيهية، وتقسيم أوقاتها بين الذكور والإناث وذلك نظراً لاختلاف طاقاتهم وتحركاتهم في اللعب وحرصاً على سلامتهم، حسب المشرف العام على أحد المراكز الترفيهية موسى أحمد (45 عاماً).

ويعد الوصف الذي أطلقته صحيفة “الفايننشال تايمز”، «مخيم 5 نجوم»، الوصف الأمثل للمخيم الأحدث في المملكة، مخيم مريجيب الفهود، المخيم الإماراتي الأردني للاجئين السوريين الواقع شرقي محافظة الزرقاء في الأردن، وذلك بفضل معاييره العالية المستوى وإمكاناته المختلفة، فضلاً عن مرافقه المتعددة وباقة خدماته المنوعة، وسبل الرفاهية التي يندر وجودها في المخيمات الأخرى، مثل الملاعب وقاعة تلفزيون للأطفال وأخرى للنساء، بالإضافة إلى مركز طبي برعاية الهلال الأحمر الإماراتي يضم عيادات متخصصة ومدرسة ومنطقة تجارية ومطبخاً، إلى جانب مجموعة من برامج وفعاليات ومبادرات إنسانية، يصعب على إثرها التسليم بالفترة الزمنية التي شهـدت ولادة الـمخيـم، التي لم تتجاوز السنة بعد.

عمر شهد لم يتجاوز 7 أعوام، تمضي وقتها في اللعب مع زميلاتها في المخيم، فبعد أن تقوم باستكمال واجباتها الدراسية تخرج معهم، لتلعب بالملاهي، أو بمشاهدة أحد أفلام الكرتون داخل كرفان أحدهم على التلفاز.  

“بحب بلدي أكتر شي، ونفسي ارجعلها بأقرب وقت”، قالها محمد (10 أعوام) ، متنهداً بعد أن كان يقفز ويلعب في المركز الترفيهي الواقع داخل المخيم، والذي جاء مع أهله جراء القصف الذي حصل في بلدهم، مما اضطر بهم إلى اللجوء للحدود الأردنية السورية وانتهى بهم المطاف ليصبحوا لاجئين فيها.

ويقوم مخيم مريجيب الفهود بتوفير وتنظيم بعض الأنشطة كمسابقات كرة قدم، أو ألعاب قوى بين الفترة والأخرى للأطفال، بالإضافة لعقد دورات تحفيظ القرآن الكريم داخل المساجد.

تلك حياة  لأطفال لم تتجاوز أعمارهم الثامنة عشر، منهم من تركوا أبائهم جثثاً في تلك البلاد، منهم من عاش في قرى لم تعد الآن موجودة، إلا في مخيلتهم الهشة، ويبقى الحق في البراءة والطفولة واللعب أبرز ما تبقى لهم بعد حرب خلفت جراحهم ومأسيهم كالبالغين وكبار السن.